المجدّدون في تركستان – منوّر قاري عبد الرشيد

3–⁦5⁩ من الدقائق

للقراءة

ظهرت حركة الجدد أو الجديديون Jadidlar في تركستان في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، إتخذت بادئ ذي بدء إصلاح التعليم وإدخال المعارف الجديدة أول أهدافها ، ونشر الصحف باللغات المحلية وترجمة الكتب الأجنبية .

لم يكن ظهور هذه الفئة المثقفة إعتباطا لولا حالة الإنهيار والتردي الشامل في كافة الأصعدة ، ولم تكن حركتهم الإصلاحية ذات توجهات علمانية أو منفتحة إلى درجة الإصطدام بالدين الإسلامي أو بالسلطات الحاكمة ، بل كان جل هدفها محاربة الجمود الفكري وإيقاظ المسلمين من غفوتهم وإيقاد فكرة الحرية والمعرفة والشعور بحس الإستقلال الوطني عبر إصلاحات جذرية للتعليم.

إلا أن هذه المجموعة من رجال الفكر والنهضة في تركستان قوبلت بالرفض وللأسف الشديد من بعض رجال الدين المتخوفين من كل جديد، وكذلك من قبل السلطات الروسية القيصرية والتي كانت مستفيدة من بقاء المسلمين في حالة الجهل والتخلف المشوب بإنتشار الدروشة والخرافة، وعندما قامت الثورة البلشفية في روسيا بقيادة لينين وزمرته من الشيوعين عام 1917 رأى المجدودون في تلك الثورة بارقة أمل ومرحلة جديدة للبناء والتمدن والتقدم، إلا أن الرياح سارت بما لا تشتهيه السفن ، فبعد موت لينين كانت تلك البلاد على موعد مع الدماء والأشلاء بقدوم الطاغية ستالين سدة الحكم سنة 1924 ـ فبدأ في تطبيق مبادئ الشيوعية والأشتراكية خائفًا من أصحاب الفكر والمعرفة حتى قضى عليهم في حركة سميت بحركة “التطهير الكبير” والتي استمرت من الفترة 1936-1938 ووصلت أعداد ضحاياها إلى مليون قتيل في أرجاء الإتحاد السوفيتي.

لقد دفع رجال الفكر والنهضة في تركستان أرواحهم مقابل ذلك ، ومن أبرز هولاء منور قاري عبدالرشيد الذي ولد في طشقند سنة 1878 ويعتبر من أهم رواد حركة إصلاح التعليم في تركستان ، تأثر بشكل كبير بأفكار المفكر التتاري إسماعيل بيك غاسبرالي مع أنه لم يلتق به في حياته ، يعتبر منور قاري الملهم الفكري لحركات إستقلال تركستان ومناضلا من أجل رفع حالة الجهل في بلاده حتى دفع حياته ثمنا لذلك. درس العلوم الشرعية في كتاتيب طشقند ثم التحق بمدرسة مير عرب في بخارى ثم عاد الى مدينته وعمل إماما في أحد مساجدها، وفي عام 1901 افتتح في بيته أول مدرسة ذات طابع حديث –إن صح التعبير- وألف كتاب “معلم أول” ثم كتاب “معلم ثاني” وفي هذا الأخير وضع منور قاري منهجا واضحا وعمليا في تعلم الحروف العربية ، حيث أدخل طريقة سهلة في تعلم الأبجدية والنطق الصحيح ، ولا يزال كتابه هذا مصدرا جيدا للمبتدئ ، حيث وضع تعلم الحروف ولكن ليس بالشكل المتداول الترتيبي، فأول حرف هو الألف مع الحركات الثلاث من ضمة وفتحة وكسرة دون التوسع في ذكر التنوين والتشديد ثم حرف الراء فيدخل الحرفين الالف والراء في كلمات وكل حرف بحركة مختلفة ، ثم حرف الزاء وهكذا حتى يستطيع الطالب آخر الدرس كتابة وقراءة كلمات بسيطة مكونة من الحروف الثلاث ككلمة أرْزُ و إرزُ و أزَرَ .

يكتب منور قاري عن حالة الجهل والتخلف الذي كان منتشرا وقتها في تركستان في مقالة في جريدة “ترقي” بتاريخ 14 يونيو 1906: ” لا يخلو مجتمعنا من الآباء ممن يضيعون سنوات أعمار أبنائهم سدى ، إنهم لا يدركون لماذا هم موجودون في هذه الحياة وماهو الهدف من وجودهم ! إنهم يجعلون فلذة أكبادهم حطبا لنار الجهل والتخلف ، يحرمونهم ويمنعونهم من التعلم في المدارس حتى يصبحوا مثلهم خدما وعمالا لدى الروس، وحتى إن أرسله يخرجه بعد أن يتعلم الفرق بين المعاملة بالنقد وبالدين وبعد أن يحفظ هذا الولد المسكين مالا ينفعه ولا ينفع مجتمعه من الكتب والأدبيات العسيرة فينهمك في كتب فضولي ونوائي وحافظ شيرازي وعبدالقادر بيدل حتى يهدر عمره في تعلم حروف الهجاء وبعض الأشعار والقصائد. ويالأسف أن بعض الجهلاء يحذرون عن تعلم الكتب والعلوم الأخرى وأن هذا هو ما نص عليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله ! فأي جهل هذا ؟ هل كان الإمام الأعظم يقرأ كتب فضولي وحافظ ؟ أم أن كتب نوائي كانت موجودة حينها؟ وإن هذا لهو محض افتراء وكذب على الإمام الأعظم ، والبعض يدعي أن بدون هذه الكتب لن يرتقي الطالب علما وهذا أيضا مجرد إدعاء دون دليل. لقد وصلت الأمية عندنا في تركستان عددا مهولا ففي الولايات نجدها قد وصلت إلى التسعين في المائة ممن لا يعرفون مجرد القراءة والكتابة ! إن الإنعكاف على قراءة تلك الكتب لا يعطي أي نتيجة ، حيث يتخرج الطالب من الكتاتيب وبعد أن يمضي فيها أربعة إلى خمس سنوات ولاهو لا يدرك ولا يفهم تلك الكتب إلا القلة منهم والذين لا يتجاوز عددهم العشرة من بين خمسين طالبا! بعكس المدارس الحديثة حيث يكون الطالب وخلال سنتين مدركا ملما للكثير من العلوم. ولا ننسى حالات الوفاة لطلبة مساكين بسبب تعرضهم للضرب بالعصي وأحيانا على روؤسهم من قبل بعض المعلمين الجهلة ! والمؤسف أن ولي أمر الطالب لا يكترث بما يتعمله ولده ، ولا يهتم لضياع سنوات عمر ابنه بل إن أقصى ما يهمه أن يحرك أبنه رأسه في الحفظ والترديد فقط! مالذي يستفيده المجتمع من هؤلاء؟ “.

قبض على منور قاري عبدالرشيد عام 1929 ونفي إلى موسكو وهناك تمت محاكمته بتهمة العداوة للشعب ومناهضة السوفييت، واعدم رحمه الله رميا بالرصاص في سنة 1931 ولا يزال قبره في ضاحية من ضواحي موسكو ، لقد كان أعدامه بداية سلسلة من الإعدامات والقمع طالت كبار رجال هذه الحركة وخصوصا في خريف 1938.

أهم مؤلفاته :

  • 1- أديب أول 1907
  • 2- أديب ثاني 1907
  • 3- أصول الحساب 1911
  • 4- تجويد 1911
  • 5- حوائج دينية 1912
  • 6- تاريخ الأنبياء 1912
  • 7- تاريخ اسلامية 1912
  • 8- سطح الأرض 1916-1917 Yer Yuzi

المصدر: مدوّنة البخاري، سيّد محمود مبشّر كاساني https://albukhari.com/16542

تُنسب الآراء والمقاربات المسرودة في هذا المقال إلى مؤلّفها حصراً. تُخصّص هذه المنصّة لتكون مساحة أكاديميّة حرّة، يُكفل فيها للباحثين طرح قراءاتهم التّاريخيّة والسّوسيولوجيّة باستقلاليّة تامّة، تأسيساً لبيئة بحثيّة تصون حرّيّة التّأليف، وتفصل النّتاج المعرفيّ عن أيّ توجّهات أيديولوجيّة أو سياسيّة.


أضف تعليق

أحدث المنشورات