تحت هذا العنوان يكتب الكاتب المسرحي واللغوي والمترجم الأوزبكي الإصلاحي عبدالرؤوف فطرت المولود في بخارى عام 1886 رواية عن زيارة سائح هندي مسلم لمدينة بخارى بعد أن سمع عنها المديح من قبل أحد التجار البخاريين في الهند، ويقرر هذا السائح العالم زيارة المدينة ليطلع بنفسه على حقيقة ذلك المدح والإطراء.
درس فطرت دراسته الإبتدائية في مدرسة مير عرب المشهورة في بخارى ، وبعد تخرجه منها أدى فريضة الحج وزار الهند والأناضول والقفقاز وبعد ذلك عاد إلى بخارى، في عام 1906 ذهب في رحلة إلى روسيا وزار مدن قازان التتارية وموسكو والعاصمة سان بطرس برج، وفي عام 1909 سافر عبدالرؤوف فطرت إلى تركيا، ودرس في جامعة اسطنبول، وبقي هناك حتى عام 1913.

كانت تلك الفترة فترة انتشار الحركات السياسية في تركيا العثمانية، وخاصة حركة تركيا الفتاة، فتأثر فطرت بتلك الدعوات ، وأصبح يقارن نظام الحكم الأميري في بخارى والذي كان يشبه حدا ما النظام السياسي في الدولة العلية. إلا أن أكثر ما كان يهم الجديديون في تركستان هو إصلاح نظام التعليم في بلاده القائم على الحفظ والترديد، مع غياب شبه تام للعلوم النافعة، من حساب وجغرافيا ولغات أجنبية.
ألف فطرت في اسطنبول هذه الرواية وكتبها باللغة الطاجيكية ونشرت عام 1911، وترجمت لاحقًا إلى اللغة الأوزبكية والروسية. الرواية تحكي في مجملها الوضع التعليمي البائس في بخارى ،حسب نظرة الكاتب، ويصفها على لسان السائح الهندي ، في شرح عميق عن عدد مدارسها ومساجدها والأموال التي تصرف علي هذه المدارس من أموال الوقف، كما يلفت الكاتب النظر حول بعض المممارسات القبيحة اللاخلاقية المنشترة وقتها، من قبيل حب الغلمان أو الغلمنة، وانتشار الجهل والتخلف والبدع وخاصة في أضرحة الأولياء، حيث يصف مشاهدات المسافر الهندي عندما يزور ضريح العالم الصوفي المشهور بهاء الدين نقشبند، ويروي كيفية استغلال القائمين على المقام الناس من الزوار البسطاء، وجعلهم يقبلون الأشجار والبيارق، مقابل أخذ المال منهم.
لقد كان فطرت وغيره من رجال تلك الفترة وبحكم مشاهداتهم للأوضاع في مصر والهند وتركيا، حانقون على ما وصفوه بالاستبداد والظلم من قبل حكام بخارى، وكان من الدعاة إلى ضرورة إصلاح التعليم ورفع الشعور بالحس الوطني والقومي لدى الشعب، وضرورة الإستقلال الفكري والسياسي عن الروس القياصرة، وكانوا يرون مدى استفادة الحكومة الروسية القيصرية من انتشار الجهل والتخلف لدي مسلمي تركستان، لذا كانت هذه الطبقة محاربون من قبل الحكومة في بخارى ومن قبل رجال الدين وللأسف الشديد، الذين اعتقدوا في دعواتهم حربًا على الدين، ومن قبل الحكومة القيصرية التي أدركت خطورة أفكار التجديديون. لذا لا عجب أن نقول أن هذه الحركة كانت مستهدفة من قبل الجميع.
انقل لكم مقتطفات من الرواية والتي أنا في صدد الإنتهاء من ترجمتها:
وصلنا أخيرا عند كروان سراي (بيوت القوافل)، وتوقفت العربة عندها، جاء عامل النزل وبدأ ينزل أغراضي ثم توجه بي نحو حجرة مظلمة، فوضعت أغراضي فيها، وقررت بعدها الخروج لأشاهد المدينة.
تجولت في بخارى مدة يومان إلا أني بدأت أشعر بالملل والضجر ، حيث لا أعرف فيها أحد، فسألت عامل النزل:
- ألا دليتني على مكان أذهب إليه وأروح عن نفسي ؟ فأراني طريقًا وقال :” أذهب إلى بركة ديوان بيكي”، فذهبت كما وصف لي وهناك وجدت بركة كبيرة بحق، وعلى أطرافها محلات الحلاقين، وجماعة تجلس في الجايخانة[1] يشربون الشاي وقد تشقق بساطها، فذهبت وجلست هناك. في جهة القبلة من البركة رأيت ميدانا فسيحا وهناك مسجد كبير، وعلمت أن معظم سكان بخارى يصلون في هذا المسجد وجل هؤلاء يتوضأون في هذه البركة.
كنت أجلس على دكة من الدكاك المنتشرة حول البركة أشاهد المكان، وبعد قليل جاء اثنان من طلبة العلم وجلسا بالقرب مني، ثم بدأ ينظران إلي مدركان في نفس الوقت أني غريب، كنت قد تململت من الوحدة فقررت أن ابدأ حديثا معهما ، فاقتربت وألقيت علبهما السلام، فردا علي التحية وقدم أحدهما كأسا من الشاي، فشربته وبعدها سألني أحدهما:
- من أين أنت؟
- من الهند
بعدها انشغلا في الحديث بينهما وكأنهما قد نسياني، فتوجهت إليهما متسائلاُ:
- أرى طائفة تقوم بتعبئة الماء في هذه القراب ثم ينصرفون وبعد مدة يعودون ليملاؤها مرة أخرى..إلى أين يأخذون كل هذه الكمية من المياه؟
- إلى بيوت الأهالي
- ولماذا؟
- للشرب
- وهل أنتما تشربان أيضا من هذه البركة؟
فرد أحدهما وقد بانت عليه ملامح الغضب:
- وما العيب في هذا؟
- هذا فيه ضرر كبير للصحة.
- يقول الله عزوجل في القرآن الكريم ” وجعلنا من الماء كل شيء حي” إذن الماء لا يجلب للإنسان إلا الفائدة، فمن أين يأتي الضرر؟
- بالطبع الماء لا ضرر فيه للإنسان، ولكن مياه هذه البركة لا أراها إلا مياه قذرة وآسنة.
- ومن قال أنها فاسدة كلها ؟
- انظر وشاهد كيف أن الكثير يتوضأ منها، ثم يتمضمض ويستنثر فيها، الناس تغسل أرجلها المليئة بالطين فيها، واذا اخذنا في الحسبان ما يقذفه الحلاقون وطباخوا السمك وبائعوا الكوراع فيها، فإن هذه البركة تستقبل نصف مناً من الفضلات يومياً.
- مالذي تريد أن تصل إليه؟ هل تريد ألا نشرب من هذه البركة؟
- لا أقول لا تشربوا ولكن أقول لا تتوضوءا فيها ولا تغلسوا أرجلكم وتنثروا انوفكم ولا ترموا فيها الفضلات والقمامة فالماء الذي نشربه ينبغى أن يكون نظيفا.
وقتها رفع الآذان فتوجهت نحو المسجد وأديت الصلاة، وبعدها قررت العودة نحو الكروان سراي. ا-ه [2]
إن هذه النظرة لتلك الأحوال ، وإن كانت صحيحة في مجملها، إلا أنها لم تشفع للتجديدين عند السوفييت، فقد كانوا محل شك وريبة من قبل السلطات السوفيتية الشيوعية، والتي رأت في دعواتهم الفكرية خطرًا يمس الأيدولوجية الشيوعية، وقد أدرك المفكرون أنهم خدعوا بالشعارات الثورية الروسية، إلا أن الوقت كان تأخر، وصدرت بحقهم أحكام بالإعدام والسجن والطرد من المناصب. قام ستالين بعملية أسماها التطهير الكبير، وأعدم المئات من الألوف من رجال الفكر والأدب، وكان فطرت من هؤلاء وأعدم رحمه الله في الرابع من اكتوبر عام 1938، مع مجموعة أخرى من المفكرين أمثال عبدالله قادري، وعثمان ناصر وچولپان.
إن هذه الأحداث لتعطي صورة واضحة عن كيفية تفكير الأنظمة القمعية، والتي ترى في العلم والفكر الحر خطرًا يهددها، وتستشعر الأمان والطمأنينة في انتشار الجهل، فالشعب الجاهل العاطل عن التفكير يمكن السيطرة عليه وبسهولة.
تواجد التجار الهنود في بخارى وقرشي وقوقند في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، وتذكر بعض المصادر عددهم ب ٦ – ٨ آلاف هندي من الهندوس وقتها، دون تسجيل الهنود المسلمين.
عمل معظمهم في التجارة فكانوا يستوردون الشاي، والتوابل، والقماش الكشميري، والأحجار الكريمة والمجوهرات، وكانت لهم محطات قوافل في بخارى وقرشي .
لم يكن يسمح للهندوسي بإرتداء ملابس السكان الأصليين، بل كان يرغم على لبس جبة سوداء مزينة بنقوش صغيرة، لتميزه عن المسلمين، كما لم يسمح لهم بالتزواج من السكان الأصليين،بينما سمح لهم بممارسة طقوسهم الدينية ، ولكن داخل بيوتهم، وعمل الكثير منهم أيضا في الربا وإقراض المزارعين والعمال بفوائد كبيرة .
يقول الأديب الطاجيكي “صدر الدين عيني” في مذكراته :
” كان الهندوس يتجولون في القرى لإقراض من يريد، وبما أن معظم الناس كانت لا تعرف القراءة والكتابة، كان الهندوسي يعطي المال ومعه عصا صغيرة، اسمها “خط چوب” ، فإذا دفع المستدين جزء من المبلغ ، قام الهندوسي بقص جزء من قشرة العصا كعلامة على الدفع، وللأسف كان عمال الخان يستفيدون أيضا منهم مقابل حمايتهم لهم، وكذلك في الضغط على من لا يدفع من المستفيدين.
يسترد صدر الدين قائلاً :
” كان الهندوس يجلسون إلى وقت الظهر في محطة القوافل يقرضون الناس، وبعدها يلبسون ملابسهم التي تميزهم، ثم يخرجون لاسترجاع الديون مع الفوائد الربوية ممن حال عليه الوقت ، وكانت لهم في بخارى ثلاثة محطات للقوافل، ويعمل ما يقارب من المائة والخمسين من الهندوس المرابون ، ويتسمون بالقذارة في ملابسهم ومساكنهم ، وتنبعث منهم روائح كريهه لعلها تعود إلى دهن أجسامهم بنوع من الزيوت. كانت حكومة إمارة بخارى تعين عليهم مسؤولا لمراقبتهم ومراقبة ما يكسبون من أموال، لأنها كانت تعود عليها أيضا بالأرباح.
بعد أحداث ثورة 1917 عاد الكثير منهم إلى الهند وبقيت بعض العوائل التي اندمجت في المجتمع المحلي.
[1] مقهى أو بيت الشاي
[2] Abdurauf Fitrat المجموعة الكاملة ص 142 Zabarjad Media 2022-
المصدر: مدوّنة البخاري، سيّد محمود مبشّر كاساني https://albukhari.com/16515





أضف تعليق