البخاريّون: شتات الهجرة الكبرى بعد مئة سنة

26–⁦38⁩ من الدقائق

للقراءة

تحكي صفحات التاريخ قصصاً مختلفة عن الشعوب والهجرات، لكن قليلاً منها يضاهي في حجمه وأثره قصة الهجرة الكبرى من آسيا الوسطى في أوائل القرن العشرين. ليست هذه القصة مجرّد سرد تاريخيّ عن نزوح جماعي، بل تُظهر كيف استطاعت مجتمعات برمّتها أن تعيد بناء حضارتها في أراضٍ جديدة، محافظة على هويتها الدينية واللّغوية والاجتماعية عبر أكثر من قرن من التحوّلات الجذرية.

تكمن أهمية هذه الدراسة في أنّها تسلط الضوء على إحدى أكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث، التي أدّت إلى انتشار حوالي مليون شخص عبر القارّات، حاملين معهم تراث حضارة عريقة امتدّت ألفي عام. اليوم، في حين تكاد هذه المجتمعات تختفي من أوطانها الأصلية، نجدها تزدهر في بقاع العالم المختلفة، من أحياء نيويورك إلى مدن السعودية، ومن شوارع إسطنبول إلى ضواحي دلهي.

  1. الجذور التاريخية: إمارة بخارا وعالم آسيا الوسطى
  2. عاصفة التغيير: الثورة البلشڤية والانهيار
  3. دوافع النزوح: عندما تصبح الأرض غريبة
  4. رحلة الشتات: طرق النجاة ومسارات الأمل
  5. البحث عن الوطن الجديد: خريطة الاستقرار
  6. الاندماج والازدهار: النجاح عبر المهن
  7. التطوّر عبر القرن: من الجيل الأول إلى الرابع
  8. الأثر على العالم: الإرث الممتد
  9. قصّة مرونة إنسانية استثنائية
  10. المراجع والمصادر
خارطة جغرافية توضح حدود وإمارة بخارى، مع تحديد المواقع الرئيسية مثل بخارى وسمرقند ودوشانبه، بالإضافة إلى المعالم الطبوغرافية.

الجذور التاريخية: إمارة بخارا وعالم آسيا الوسطى

قبل أن نفهم حجم الكارثة التي حلّت بآسيا الوسطى، علينا أن نرسم صورة للعالم الذي فُقد إلى الأبد. كانت إمارة بخارا – وليس مدينة بخارى وحدها – تمثّل قوّة سياسية واقتصادية مهيمنة في منطقة تمتدّ من نهر آمو داريا شرقاً إلى سير داريا غرباً، وتغطّي مساحة تضاهي بريطانيا العظمى بسكّان يتراوح بين مليونين ونصف إلى ثلاثة ملايين نسمة.

حكم الإمارة آخر أمرائها، سيد مير محمد عليم خان من السلالة المنگيتية، الذي تولّى الحكم عام 1911 واستمرّ حتى عام 1920. كانت الإمارة مقسّمة إلى ثلاثين منطقة إدارية تُعرف بـ”البيكليك”، تضمّ مدناً عريقة مثل سمرقند وقارشي وحصار والعديد من المراكز الحضارية المهمّة. أمّا العاصمة بخارى، فكانت تضمّ ما بين سبعين إلى مائة ألف نسمة، وتُعدّ مركزاً تجاريّاً حيويّاً لتجارة القطن والحرير والصوف على طريق الحرير العظيم.

لم تكن إمارة بخارا وحدها في المنطقة، بل تجاورت مع خانيّة خيوة الأصغر في منطقة خوارزم، التي حكمها الخان سعيد عبد الله، إضافة إلى خانيّة قوقند في وادي فرگانة، التي كانت روسيا قد ألغتها عام 1876 لكنّها شهدت إحياءً قصيراً تحت حكم مصطفى شوكاييڤ بين عامي 1917 و 1918.

كانت التركيبة السكّانية لهذه الإمارات معقّدة ومتنوّعة، تضمّ الأوزبك والطاجيك والتركمان والقازاق، إضافة إلى المجتمعات العربية التي استقرّت في المنطقة منذ الفتوحات الإسلامية الأولى، إلى جانب المجتمعات القديمة من عرب خراسان الموجودة في المنطقة على مدى الأعوام الألف التي سبقت الإسلام. هيمن الإسلام السنّي مع بنية دينية راسخة من العلماء والمؤسّسات التعليمية، وكان للعرب دور إداري مهمّ في حكم المناطق المختلفة للإمارة.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ بعض العائلات العربية العريقة من منطقة قشقداريا تولّت مناصب حكومية عليا في الإمارة، حيث عُينت للإشراف على مناطق استراتيجية مثل منطقة كاسان (المعروفة اليوم بـ Koson tumani) وغيرها من المدن المهمّة في الإقليم. هذه العائلات، التي ترجع أصولها إلى القبائل العربية الخراسانية واليمانية، حافظت على هويّتها العربية ولغتها من لهجات القلتو القيسية – وهي لهجة عربية متميّزة تُعرف بـ”العربية القشقدارية” – برغم اندماجها في النسيج الاجتماعي والسياسي للإمارة. ومن هؤلاء عائلة جدّي التي حكمت كاسان حتّى الاحتلال الروسي الشيوعي، فاضطرّ جدّي عبد الستّار بن عبد القادر للنزوح سنة 1920 إلى دمشق مع خادمه إسكندر ومصاحباً وحامياً لأمير قوقند.

كما ضمّت المنطقة مجتمعاً يهوديّاً مزدهراً يُعرف باليهود البخاريّين، بلغ عددهم أكثر من عشرين ألفاً عام 1910، وارتفع إلى حوالي ثلاثين ألفاً في العشرينيّات. توزّع هؤلاء جغرافيّاً بين سمرقند (7,740)، وبخارى (3,314)، وطشقند (1,347)، وقوقند (746)، وأدّوا دوراً اقتصاديّاً مهمّاً تجّاراً وحرفيّين في تجارة القطن والحرير والأحجار الكريمة.

خريطة تظهر مناطق وسط آسيا قبل عام 1917، متضمنة إمارة بخارا وخانيّة خيوة، مع تفاصيل الحدود السياسية والمواقع الجغرافية الرئيسية.
وسط آسيا سنة 1917

عاصفة التغيير: الثورة البلشڤية والانهيار

بدأت التغيّرات الجذرية مع ثورة شباط فبراير 1917، عندما أكّدت الحكومة الروسية المؤقّتة استقلال إمارة بخارا. لكنّ هذا الاستقلال لم يدم طويلاً، فبحلول آذار مارس 1917 نظّمت حركة الشبّان البخاريّين (شبيبة بخارا) – وهي حركة إصلاحية تدعو للتحديث والدستور – مظاهرات جماهيرية قوبلت بقمع قاس من السلطات التقليدية.

جاءت الضربة الحقيقية عندما استولى البلاشفة على طشقند في تشرين ثاني نوفمبر 1917، وأسّسوا سوڤييت طشقند بهيمنة روسية واضحة. أرسل هذا التطوّر موجات صدمة عبر آسيا الوسطى، إذ أدرك الحكّام المحلّيّون والنخب الدينية والاجتماعية أنّ عهداً جديداً قد بدأ، عهد لن يكون فيه مكان للنظم التقليدية أو الممارسات الدينية.

شهد عام 1918 أولى الهجمات الشيوعية المدمّرة، ففي شباط فبراير شنّ الجيش الأحمر هجوماً على قوقند أدّى إلى مذبحة عامّة راح ضحيّتها ما بين أربعة عشر إلى خمسة وعشرين ألف شخص. لم تكن هذه المذبحة مجرّد عمل عسكري، بل رسالة واضحة للمنطقة برمّتها حول ما ينتظرها في ظلّ الحكم الشيوعي الجديد.

فشل هجوم بلشڤي على بخارى في آذار مارس، ممّا دفع الأمير عليم خان إلى إعلان الجهاد ضد البلاشفة. لكنّ المقاومة لم تستطع الصمود طويلاً أمام القوّة العسكرية السوڤييتية المتفوّقة. وسقطت خيوة في 2 شباط فبراير 1920 بعد انتفاضة شيوعية بدعم الجيش الأحمر، وسقطت بخارى في 30 آب أغسطس بعد عملية عسكرية تحت قيادة الجنرال ميخائيل فرونزه، حيث دُمرت قلعة الآرك التاريخية وفرّ الأمير عليم خان إلى أفغانستان.

مجموعة من الجنود يرتدون ملابس عسكرية تقليدية، يقفون معاً خارج مبنى، مع وجود أسلحة في أيديهم وفي الخلفية هناك جدار من الطوب.

دوافع النزوح: عندما تصبح الأرض غريبة

لم تكن الهجرة الجماعية التي تلت هذه الأحداث نتيجة لعامل واحد، بل تضافر عدّة عوامل جعلت البقاء في الوطن أمراً مستحيلاً لمئات الآلاف من السكّان.

أوّلاً، جاء الاضطهاد الديني والاجتماعي ليدمّر أسس الحياة التقليدية. نفّذ الشيوعيّون سياسات لادينية قسرية شملت إغلاق المساجد والمدارس الدينية وإلغاء المحاكم الإسلامية. استُبدل الخطّ العربي – الذي كان يربط المنطقة بتراثها الإسلامي – باللّاتيني عام 1929، ثم بالسيريلي عام 1940. وحُوربت العادات والمظاهر التقليدية مثل الحجاب، واعتُقل أو أُعدم أو أُجبر على النفي الأساتذة الدينيّون الذين شكّلوا العمود الفقري للمجتمع.

وصلت حملة القمع الديني في العهد السوڤييتي إلى درجات متطرّفة من الوحشية، حيث أُصدرت تعليمات بحرق أو مصادرة جميع الكتب المكتوبة بالخط العربي دون تمييز بين النصوص الدينية والعلمية والتاريخية والطبّية. شملت هذه الحملة المنهجية تفتيش البيوت الريفية القديمة التي كانت تُخفي المدارس السرية المعروفة بـ”الحُجرة”، وكان العثور على أي كتاب عربيّ في منزل يؤدّي إلى عواقب وخيمة تشمل هدم البيت أو حرقه أو دفنه بالكامل. هدفت هذه السياسة الممنهجة، التي بلغت ذروتها في الثلاثينيّات، إلى القضاء النهائي على كل أثر للتراث الإسلامي والعربي في المنطقة، ممّا أجبر المؤمنين على إخفاء كتبهم المقدّسة تحت الأرض أو في جدران البيوت، ودفع المعلّمين الدينيّين إلى نقل تعاليمهم شفهياً في خفاء تام. وبعض التقاليد العربية استمرّت سرّاً حتى الستينيات.

ثانياً، أدّت المصادرة الاقتصادية إلى تدمير شبكات الإنتاج والتجارة التي اعتمد عليها السكّان لقرون. صادرت السلطات الشيوعية الممتلكات الخاصّة لإعادة توزيعها على المزارع الجماعية، ودمّرت شبكات التجارة التقليدية التي ربطت آسيا الوسطى بالعالم الإسلامي، وفرضت ضرائب باهظة على السكّان المتبقّين. صُودرت أصول التجّار الأثرياء – الذين شكّلوا طبقة وسطى مهمّة – باعتبارها “استغلالاً للبروليتاريا”.

ثالثاً، امتدّ القمع السياسي والعنف العسكري ليشمل كل من يُشتبه في معارضته للنظام الجديد. قُتل أعضاء حركة الشبّان البخاريّين والمُصلحون والقادة التقليديّون، ودُمّر نمط الحياة الظاعن والبدوي التقليدي، وألغي الحكم الذاتي المحلّي، وفُرض مديرون روس لا يفهمون طبيعة المجتمعات المسلمة.

أدّى هذا الوضع إلى نشوء حركة المقاومة المعروفة بـ”الباصماچي” (1916-1934)، التي نشأت من انتفاضة آسيا الوسطى عام 1916 ضدّ التجنيد الإجباري الذي راح ضحيّتها ما بين 270,000 إلى 500,000 شخص. قاد هذه الحركة شخصيات مثل أنور باشا – وزير الحرب العثماني السابق الذي وصل عام 1921 وأسس جيشاً من 16,000 رجل – وإبراهيم بيك وإبراهيم بيك لاقاي في شرق بخارا.

سيطرت الحركة فترة على معظم جمهورية بخارا السوڤييتية الشعبية بما في ذلك سمرقند ودوشانبه بحلول 1922، واستمرّت المقاومة النشطة حتى 1926 مع نشاط متقطّع حتى 1934. برغم الدعم الأفغاني المحدود، بقيت الحركة معزولة دوليّاً، ممّا جعل مصيرها محتوماً أمّام القوّة السوڤييتية المتنامية.

خريطة توضح مسارات الهجرة لمجتمع البخاريين بين عامي 1918 و1932، مع تحديد مناطق الانطلاق والوصول.

رحلة الشتات: طرق النجاة ومسارات الأمل

انطلقت الهجرة الجماعية في موجتين رئيستين ترسمان خريطة معقّدة للنزوح الإنساني.

الموجة الأولى (1918-1926) بدأت مباشرة بعد الغزو السوڤييتي، وشملت 44,000 عائلة (206,800 شخص) من شرق بخارا وحدها بحلول 1926. تعني هذه الأرقام المذهلة أنّ 25% من سكّان ما يُعرف اليوم بطاجيكستان هجروا أراضيهم، و49 قرية هُجّرت بالكامل.

الموجة الثانية (1926-1932) جاءت نتيجة للتجميع القسري والسياسات المناهضة للإسلام، واتّخذت طابع “الهجرة” الدينية للحفاظ على الهوية الإسلامية. بحلول 1932، وصل عدد اللاجئين إلى مليون شخص تقريباً، رقم يفضح حجم الكارثة الإنسانية التي حلّت بالمنطقة.

المسارات الجغرافية للهجرة

كانت الطرق الجغرافية التي سلكها المهاجرون متنوّعة ومحفوفة بالمخاطر. الطريق الأساسي مرّ عبر أفغانستان، حيث عبر اللّاجئون نهر آمو داريا إلى شمال أفغانستان من بدخشان شرقاً إلى هراة غرباً. واستقر أكثر من نصف مليون بخاري في أفغانستان بحلول الثلاثينيّات، ممّا جعلها المحطّة الأهم في رحلة الشتات.

الطرق الإيرانية شكّلت خياراً آخر، حيث مرّ اللّاجئون عبر مقاطعة خراسان إلى مشهد، واندمجوا في الشبكات التجارية الإيرانية. لكن هذا الطريق واجه تحدّيات من المجاعة الإيرانية (1917-1919) وعدم الاستقرار السياسي في إيران آنذاك.

الطرق التركية والشرق أوسطية فُتحت للنخب السياسية والفكرية عبر إيران إلى تركيا، ثم إلى السعودية وأوروپا والأميركيتين. كما سلك حوالي 70,000 شخص، معظمهم من القازاق والقيرگيز وبعض المستوطنين الروس، طرق الصين وشينجيانگ.

مسارات الهجرة اليهودية كانت خاصّة: أفغانستان ← إيران ← فلسطين (4,000 شخص في العشرينيّات والثلاثينيّات)، والطرق البرية عبر القوقاز إلى موانئ البحر الأسود، والاتّصالات بالسكك الحديدية عبر الإمبراطورية الروسية.

في هذا المناخ من الفوضى والقمع، نزح العديد من قادة الباصماچي ومن بينهم ضبّاط من أبناء الحكّام المحلّيّين إلى شمال أفغانستان عام 1920 (وبينهم جدّي وخادمه وأمير قوقند)، متّجهين إلى مزار شريف التي كانت تُعدّ ملاذاً آمناً نسبيّاً للّاجئين من آسيا الوسطى (كانت تعدّ منطقة محرّرة من الاحتلال الروسي) فقامت بريطانيا بضمّ مزار شريف إلى أفغانستان.

غير أنّ الوضع السياسي المتقلّب في أفغانستان وضغوط القوى الدولية أدّت أحياناً إلى اعتقال مجموعات من هؤلاء الثوّار ونقلهم إلى معسكرات احتجاز، قبل أن يتمكّن بعضهم من الهروب والاستمرار في رحلة نزوحهم عبر الهند البريطانية وصولاً إلى موانئ البحر العربي، ومن ثمّ إلى الموانئ العراقية مثل البصرة، لينتهي بهم المطاف في الشام. وهو المسار الذي سلكه جدّي عبد الستّار البخاري رحمه الله.

هذه المسارات الطويلة والمعقّدة، التي امتدّت أحياناً سنوات، تفضح مدى التشتّت الذي عاشه قادة المقاومة وعائلاتهم في بحثهم عن ملاذ آمن بعيداً عن القمع السوڤييتي.

ظروف الرحلة ومخاطرها

كانت ظروف هذه الرحلات قاسية للغاية. استغرقت الرحلات النموذجية من أسبوع إلى أسبوعين لعبور الحدود المحلّية، ومن شهرين إلى ستة أشهر من أفغانستان إلى الشرق الأوسط، ومن ستة إلى اثني عشر شهراً للمسار الكامل من آسيا الوسطى إلى الشام. واجه المسافرون مخاطر بيئية هائلة شملت عبور الصحارى والتضاريس الجبلية وعبور الأنهار والظروف الجوية القاسية.

نُظّمت القوافل في مجموعات من 50 إلى 200 عائلة للحماية المتبادلة، مع تقاسم الموارد والمأوى الجماعي واستخدام أدلّة محلّيّين. وحافظت البنى القيادية التقليدية على التماسك الاجتماعي في أثناء الهجرة، ممّا ساعد هذه المجتمعات على البقاء متماسكة برغم المحن الجسيمة.

للمزيد راجع الشتات البخاري بالأرقام

البحث عن الوطن الجديد: خريطة الاستقرار

مجموعة من الرجال يجلسون في الهواء الطلق يتبادلون الحديث، مع أشجار خلفهم وأجواء غير رسمية.

تركيا: العودة إلى الجذور التركية

خدمت تركيا بمنزلة وجهة أساسية ونقطة عبور للمهاجرين الوسط آسيويّين بسبب الروابط العثمانية والتراث التركي المشترك، إلى جانب التحالف التقليدي بين العثمانية وإمارة بخارا. لم تكن هذه هجرة جديدة، بل امتداد لموجات سابقة حدثت خلال الغزوات المنغولية في القرن الثالث عشر، والفتح الروسي لآسيا الوسطى في القرن التاسع عشر، والاضّطهاد السوڤييتي في القرن العشرين، وعدم الاستقرار ما بعد السوڤييتي من التسعينيات حتى الحاضر.

تركّزت إعادة التوطين في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة وقيصري وإزمير وزيتون برنو. وسهّلت الحكومة التركية إعادة توطين اللّاجئين الوسط آسيويّين، خاصّة بعد 1981، حيث هُجّر حوالي 800,000 شخص من البلقان وآسيا الوسطى إلى تركيا بين 1923 و 1949.

أدّى الاستقبال الإيجابي بسبب القومية التركية المشتركة والإيمان الإسلامي إلى اندماج ناجح. سهّل التشابه اللّغوي الاندماج، واعتمد المهاجرون أسماء عائلية تركية، ووجدوا فرص اقتصادية في التجارة والحرف والمهن. وأسّست المجتمعات جمعيّات تراثية ومساجد، وحافظت على بعض التقاليد الوسط آسيويّة في حين تبنّت العادات التركية الأناضولية التقليدية.

عديد من أبناء إمارة بخارا حافظ على لقب “بخاري” فاسم عائلة في تركيا، بشكل Buhari وهو الشكل الأكثر شيوعاً في تركيا اليوم، بالإضافة إلى Buharlı بإضافة اللّاحقة التركية -lı التي تعني “من” أو “ذو»، و Buharalı شكل أطول يُستخدم أحياناً، و Bukhari الشكل العربي الأصلي، أقل استخداماً في تركيا.

بعد صدور قانون الألقاب التركي عام 1934، طُلب من جميع المواطنين الأتراك اعتماد ألقاب عائلية ثابتة. تكيّفت العائلات ذات الأصول الوسط آسيوية مع هذا القانون بطرق مختلفة؛ بالحفاظ على الأصل: Buhari حيث أبقوا على الشكل القريب من الأصل العربي، وبالتتريك Buharlı مع إضافة اللّاحقة التركية لتساير النحو التركي.

مشهد يعرض مجموعة من الأشخاص يجلسون لمناقشة في منطقة تاريخية، محاطين بمنازل ذات طراز معماري تقليدي.

السعودية: القلب النابض للهوية الإسلامية

أصبحت المملكة العربية السعودية وجهة رئيسة للمسلمين الوسط آسيويّين، خاصّة منذ مطلع القرن التاسع عشر وتسارعت الهجرة إليها بعد الحملات السوڤييتية المناهضة للدين والثورات الشيوعية في القرن العشرين.

يُشكّل البخاريّون جالية تاريخية مؤثّرة في المملكة، حيث بلغ عددهم في مكة عام 1907 حوالي 2000 شخص، أو ما يعادل 13.3% من سكّان مكّة، ممّا جعلهم أكبر قومية غير عربية آنذاك في مكة المكرّمة. استقرّوا أساساً في مكة المكرّمة والمدينة المنورة والطائف، رغبة في مجاورة بيت الله ومحبّة في النبي محمد.

شهدت المملكة موجات هجرة متعدّدة، أولاها في نهاية القرن التاسع عشر لأسباب دينية، ثم الهجرة الكبرى بعد الثورة البلشفية في روسيا بقيادة لينين وستالين عام 1917، والثورة الشيوعية الصينية بقيادة ماو تسي تونگ.

نشأت ظاهرة مهمّة في السعودية حيث تبنّى الوسط آسيويّون أسماء عائلات عربية بناءً على مناطق منشئهم، فظهرت أسماء مثل: البخاري (نسبة إلى بخارا عموماً)، السمرقندي (من سمرقند)، الطشقندي (من طشقند)، الأندجاني (من أندجان)، القوقندي (من قوقند)، الكاساني (من كاسان)، النمنكاني (من نمنقان)، والتركستاني (معرّف عام لآسيا الوسطى).

أثّر البخاريون كثيراً في المطبخ السعودي، فانتشرت أطباقهم مثل الرز البخاري والمنتو والمنتي واليغمش واللاگمن، وأصبحت جزءاً من الثقافة الغذائية السعودية. يتحدّث البخاريّون السعوديّون اللّغة العربية باللّهجة الحجازية، وما زال بعض كبار السن منهم يتحدّث اللغة التركية الجغطائية.

تمكّنت الأجيال البخارية من تحقيق اندماج ناجح في المجتمع السعودي، حيث تلاشت الحدود الإثنية تدريجيّاً لتذوب في الهوية الدينية والعربية المشتركة. ويوجد الكثير من القياديّين السياسيّين والأطبّاء والمدراء والأئمة والخطباء السعوديّين من أصول بخارية في منطقة الحجاز، بالإضافة لتولّيهم مناصب عليا في الدولة.

من النماذج البارزة لهذا الاندماج الناجح، عبد العزيز بن عبد الستار تركستاني، سفير المملكة السابق لدى اليابان من عام 2008 حتى 2015، وكان أوّل سفير للمملكة في اليابان يتقن اللّغة اليابانية بطلاقة، ووليد عبد الله البخاري، سفير المملكة لدى لبنان منذ مارس 2018.

سهّلت الهوية الدينية المشتركة القبول الكامل في المجتمع الإسلامي المحافظ، مع انخراط واسع في الدراسات الدينية والتجارة والحرف والمهن المختلفة، حيث أصبح البعض علماء وأساتذة دينيّين بارزين، مساهمين في الحياة الفكرية والدينية في المملكة.

واجهة مبنى تاريخي في القدس، يظهر عليها لافتة مكتوبة بالعربية تشير إلى "جامع الزاوية النقشبندية". الجدران مصنوعة من الحجر، وتظهر آثار الزمن عليها. المحيط يحتوي على منتجات محلية معروضة للبيع.

فلسطين وإسرائيل: ملتقى الحضارات والتحوّلات التاريخية

شهدت فلسطين، وخاصّة القدس، تاريخاً معقّداً ومتعدّد الطبقات للحضور الوسط آسيوي، يتميّز بتنوع قومي وديني فريد. جعل هذا التنوّع المنطقة نموذجاً للعيش الحضاري المشترك قبل التحوّلات الجيوسياسية الجذرية في القرن العشرين.

الحضور البخاري الإسلامي: مركز الإشعاع الصوفي

تشكّلت القدس عاصمة ثانية للشتات البخاري الإسلامي منذ القرن الثامن عشر، مع تأسيس الزاوية النقشبندية البخارية عام 1731 على يد الشيخ عثمان بك البخاري. لم تكن هذه مجرّد دار عبادة، بل مؤسّسة حضارية متكاملة تقع في موقع استراتيجي بالبلدة القديمة قرب باب الغوانمة، وتمتدّ على 4 دونمات تضم 10 آبار ومرافق متنوّعة.

وُظّفت الزاوية مركز إقليمي متعدّد الأغراض: مركز صوفي للطريقة النقشبندية المعتدلة التي تعتمد الذكر الصامت، ومحطّة حج أساسية للمسلمين الوسط آسيويّين في طريقهم من وإلى مكّة، ومؤسّسة خيرية توفّر الإقامة والطعام والعلاج للفقراء والمسافرين، ومركز دبلوماسي يستقبل الشخصيّات الرفيعة ويعقد جلسات الإصلاح، ومكتبة علمية ضخمة تضمّ مراجع في الفقه والتصوّف والتاريخ والفلسفة والفلك.

تميّزت الزاوية بشعائرها الثقافية الفريدة، أبرزها الوليمة الأسبوعية كل خميس حيث يُقدّم الأرز البخاري (الأوش، الپلو) التقليدي للضيوف والفقراء والمتصوّفين. كما حافظت الجالية على زيّها الأوزبكي التقليدي والتقاليد الثقافية، مع وجود متصوّفين دائمين من بخارا وسمرقند وتركستان الشرقية (كاشغر).

استمرّ ازدهار الزاوية خلال العهد العثماني بدعم مالي من الباب العالي، ثمّ تلقّت مخصّصات محدودة من الأوقاف الأردنية خلال الحكم الأردني (1948-1967). لكن مع الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 توقّف كلّ الدعم، وبدأت الأنشطة في التراجع تدريجيّاً حتّى اندثرت نهائيّاً مع وفاة آخر شيوخها، موسى البخاري، عام 1973.

الحضور اليهودي البخاري: من الملجأ إلى الاستيطان

بدأت هجرة اليهود البخاريّين إلى القدس في السبعينيّات والثمانينيّات من القرن التاسع عشر، وتسارعت في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين. وتأسّس حيّ البخاريم في القدس شاهد على هذا الوجود المبكّر، حيث بنى المهاجرون الكنس والمؤسّسات المجتمعية مع الحفاظ على هوية ثقافية مميّزة.

استمرّت موجات الهجرة اليهودية الوسط آسيوية خلال الفترة السوڤييتية، خاصّة منذ السبعينيات حتى انهيار الاتّحاد السوڤييتي، حيث سهّلت إسرائيل استيعاب هذه الموجات ضمن مشاريع الاستيطان والتغيير الديموغرافي.

التحوّلات الجيوسياسية والتغيير الديموغرافي

شهدت فلسطين تحوّلاً جذريّاً مع حرب 1967، حيث طُرد أغلب البخاريّين المسلمين من القدس وعموم فلسطين. وانتقل معظمهم إلى عمّان حيث أسّسوا السوق البخارية في قلب البلد القديمة وحصلوا على الجنسية الأردنية، في حين هاجر آخرون إلى دمشق والمدينة المنوّرة والطائف بحثاً عن مستقرّ جديد.

لم يبق اليوم من التراث البخاري الإسلامي في القدس سوى مسجد الزاوية الذي لا يزال يقيم صلاتي الظهر والعصر، والست وفاء البخاري آخر حارسة للذاكرة التاريخية، تعيش وسط الآثار والكتب القديمة في منزلها الذي كان جزءاً من الزاوية التاريخية.

اثنين من المجلخين الأوزبك (البخاريين) في دمشق عقب الحرب العالمية الأولى
اثنين من المجلخين الأوزبك (البخاريين) في دمشق عقب الحرب العالمية الأولى

سوريا: ملتقى العلم والتراث الصوفي

أصبحت دمشق مركزاً تاريخيّاً مهمّاً للبخاريّين وعموم الوسط آسيويّين منذ القرن السابع عشر، ليس فقط نقطة عبور بل وجهة استقرار حقيقية. وتميّزت الهجرة الوسط آسيوية إلى سوريا بطابعها العلمي والصوفي، حيث قدم المهاجرون طلباً للعلم في “شام شريف” المقدّسة لديهم، أو عبر طرق الحج إلى مكّة المكرّمة.

شهدت دمشق موجات هجرة متعدّدة: الموجة الأولى في القرن السابع عشر مع تأسيس التكيّة المراديّة عام 1696م على يد الشيخ مراد البخاري، التي أصبحت مركزاً للطريقة النقشبندية ونقطة جذب للبخاريّين. ثم حدثت الموجة الثانية والأكبر بعد الاحتلال الروسي لإمارة بخارا في أيلول سبتمبر 1920، حين لجأ الآلاف من البخاريّين إلى دمشق، بمن فيهم الأمير خودايار خان حاكم خانية قوقند الذي استقرّ في التكيّة المراديّة حتى وفاته، الذي حضر دمشق بحماية وصحبة جدّي عبد الستّار البخاري.

استقرّ البخاريّون في أحياء متنوّعة بدمشق: الأزبكية (الأوزبكية)، المهاجرين، النبعة على سفح جبل قاسيون، الصالحية، سوق ساروجة، الميدان، والقدم. كما أسّس بعضهم “حي البخاريّة” ضمن بساتين الميدان، الذي اندثر اليوم.

تميّز البخاريّون في سوريا بدورهم التعليمي والديني، فأسّسوا المدارس والمساجد، وتولّوا مناصب دينية عليا مثل الإفتاء. وتركوا آثاراً معمارية مهمّة مثل الجامع المرادي في حارة الورد، وساهموا في إعادة بناء جامع الأفرم. كما برزت شخصيّات سياسية مؤثّرة مثل نصوحي البخاري الذي تولّى رئاسة الوزراء في سوريا عام 1939.

احتفظ البخاريّون بهويّتهم الثقافية من طريق الجمعيّات الخيريّة والتجمّعات المنتظمة في التكيّة المراديّة، حيث كانوا يلتقون حتى ستينيّات القرن العشرين. وانخرطوا في الحياة الاقتصادية تجّار وحرفيّين، مع محلّات تجاريّة وورشات حرفية في المهاجرين والصالحية وسوق ساروجة.

اليوم، يعيش بضعة آلاف من المواطنين السوريّين من أصول بخارية في سوريا، يشاركون في جميع مناحي الحياة أطبّاء ومحامين ومعلّمين وموظّفين وعسكريّين وتجّار، محافظين على تراثهم مع اندماجهم الكامل في المجتمع السوري. كما نالهم ما نال الشعب السوري من تهجير وتشريد، فخرج البعض منهم في هجرة جديدة بعثرتهم في غرب أوروپا وبعض البلدان العربية والولايات المتّحدة الأميركية.

تنوّعت أسماء العائلات الوسط آسيوية في سوريا تنوّعاً واسعاً يظهر الخريطة الجغرافية المعقّدة لمناطق منشئهم في تركستان. فإلى جانب عائلة البخاري التي حافظت على لقبها الأصلي (سجّلها البعض بخاره-لي)، انتشرت عائلات أخرى تحمل أسماء مدنهم التاريخية مثل الطاشكندي والسمرقندي والأندجاني والقوقندي والنمنقاني، وهي كلّها منسوبة لمدن عريقة في آسيا الوسطى. كما ظهرت عائلات مثل آل العمادي التي قدمت من مدينة بخارى في أوزبكستان واستقرّت في دمشق منذ أوائل العهد العثماني، إضافة إلى ألقاب أخرى مثل الخوجة والقاري ألقاب دينية واجتماعية تقليدية.

هذا التنوّع في الأسماء يشهد على عمق الروابط التاريخية بين دمشق وآسيا الوسطى، وعلى قدرة المدينة على استيعاب هذه الجاليات المتنوّعة ضمن نسيجها الاجتماعي المعقّد عبر قرون من التفاعل الحضاري المثمر.

مجموعة من خمسة رجال يقفون معًا في حدث رسمي، محاطين بديكور بسيط يتضمن لافتة خلفهم تتعلق بمؤتمر أو ندوة ثقافية.

البلدان العربية الأخرى: شبكة التواصل الحضاري

خلافاً للتصوّر الأكاديمي الشائع بأنّ البلدان العربية كانت مجرّد نقاط عبور، شكّلت هذه المنطقة شبكة معقّدة من المراكز الحضارية والثقافية التي أدّت أدواراً متنوّعة في تجربة الشتات الوسط آسيوي، مع تفاوت في درجات الاستقرار والتأثير.

مصر: العاصمة الثقافية والعلمية

استقرّ في مصر علماء وتجّار وسط آسيويّون، خاصّة في القاهرة والإسكندرية، حيث أسّسوا مجتمعات صغيرة لكنّها مؤثّرة. واستفاد هؤلاء من مكانة الأزهر الشريف مركز علمي إسلامي رائد، وانخرطوا في الحياة الفكرية والتجارية المصرية. وواجهوا تحدّيات لغوية في البداية مع اللّهجة المصرية، لكنّ مؤسّسات التعليم الديني وفّرت مسارات للاندماج الثقافي والاجتماعي.

ومن هؤلاء الأستاذ الدكتور {نصر الله مبشّر الطرازي الحسيني} خبير المخطوطات بدار الكتب المصريّة وأستاذ اللّغات الشرقية بالجامعات المصريّة. وهو ابن الخطيب {مبشّر الطرازي الحسيني المدني} الذي أعاد طابا لمصر، ودرّس العديد من الأجيال المصريّة قبل وفاته سنة 1977. وكان شكّل في شبابه اتّحاد الطلبة التركستانيّين سنة 1917 في مقاومة للأنشطة الشيوعيّة في البلد. ثمّ اعتقلته موسكو وصادرت مؤلّفاته التركيّة والفارسيّة والعربيّة وسجنته لعدّة سنوات. وخرج واستمرّ في أنشطة المقاومة حتّى سنة 1949 حين انتقل للإقامة في المملكة المصريّة، بعد أن دعاه الملك فاروق، ثمّ منحه جمال عبد الناصر الجنسيّة المصريّة لكثرة أفضاله في مصر، ولم يزل أولاده إلى اليوم من مواطنيّ الجمهوريّة المصريّة، ومنهم الدكتور {نصر الله الطرازي}.

لبنان: محطّة الترانزيت التجاري

خدم لبنان بشكل أساسي نقطة عبور للمهاجرين المتّجهين إلى وجهات أخرى، مع استقرار مجتمعات صغيرة في بيروت وطرابلس والقرى الشمالية. استفاد التجّار البخاريّون من الموقع الاستراتيجي لبيروت ميناء متوسّطي، وشكّلوا شبكات تجارية ربطت بين آسيا الوسطى والأسواق العربية والأوروپية. كما وثّقت المصادر زيارات منتظمة للتجّار البخارية المقيمين في لبنان إلى دمشق للتسوّق وزيارة الأقارب.

الأردن: الملجأ الجديد بعد النكسة

لم يكن الوجود البخاري في الأردن وليد أحداث 1967 فحسب، بل امتداد لتاريخ أطول من الترحال والاستقرار. إذ شكّلت الأردن وفلسطين في العهد العثماني منطقة جغرافية واحدة؛ جزء من الشام، سهّلت حركة التجار والعلماء البخاريّين بين المنطقتين، مما خلق أواصر تجارية وعائلية عبر نهر الأردن امتدت لعقود قبل التقسيمات السياسية الحديثة.

شهد الأردن تحولاً جذرياً في دوره مع نكسة 1967، حين أصبح الوجهة الرئيسة للبخاريّين المطرودين من القدس وفلسطين. كانت هذه اللحظة التاريخية بمنزلة إعادة تشكيل للجغرافيا البخارية في الشام، حيث انتقلت مراكز الثقل من الأحياء العتيقة في القدس إلى الأسواق النابضة في قلب عمّان القديمة. ولم يكن هذا الانتقال مجرّد تغيير في العنوان، بل إعادة بناء كاملة لشبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تجذّرت بعمق في التربة الأردنية.

تنوّعت أسماء العائلات البخارية في الأردن تنوّعاً مذهلاً يظهر الخريطة الجغرافية الواسعة لآسيا الوسطى. ففي حين احتفظ قلّة بلقب البخاري الأصلي أو ألقاب تقليدية مثل خوجة، تبنّت الغالبية العظمى أسماء مدنهم وقراهم الأصلية. انتشرت عائلات الطاشكندي والسمرقندي والأندجاني والنمنقاني والقوقندي والمرغلاني والأوشي، وهي كلّها منسوبة لمدن تركستان الغربية العريقة. كما ظهرت عائلات أخرى تحمل أسماء مدن تركستان الشرقية مثل القشقري والخوتاني والياركندي والكشاري، إضافة إلى ألقاب متنوّعة مثل التركستاني والقاري والنيازي والخان، وأسماء مهن تقليدية مثل الخياط والطباخ، وألقاب اجتماعية مثل يولداش ومخدوم وباي والماس وميمان وأمين وأصغر وأكبر.

أسّس البخاريّون المطرودون من القدس السوق البخارية في قلب عمان القديمة، التي تحوّلت إلى مركز تجاري نابض بالحياة يجسّد التراث التجاري العريق لهذه الجالية. تخصّص السوق في تجارة المنسوجات والأقمشة التقليدية التي جلبوا أسرارها من بخارا وسمرقند، والحرف اليدوية والتطريز الذي تناقلته الأجيال، والتوابل والمواد الغذائية الشرقية التي أضفت نكهات جديدة على المطبخ الأردني، والمجوهرات والأحجار الكريمة التي كانت جزءاً من تجارة طريق الحرير القديم.

حصل البخاريون على الجنسية الأردنية واندمجوا بنجاح مذهل في النسيج الاجتماعي والاقتصادي الأردني. وانخرطوا في التجارة وخاصّة في الأسواق التقليدية حيث أحيوا تقاليد تجارية عمرها ألف عام، وفي التعليم والتدريس حيث نقلوا تراث بخارا العلمي إلى المدارس الأردنية، وفي الطب والمهن الصحّية مستفيدين من إرث الطب الإسلامي في آسيا الوسطى، وفي الإدارة والخدمة المدنية حيث ساهموا في بناء الدولة الأردنية الحديثة، وفي الحرف التقليدية والصناعات اليدوية التي أثّرت الفن الشعبي الأردني.

حافظ البخاريّون في الأردن على عناصر مهمّة من تراثهم برغم الاندماج الناجح. انتشرت أطباق مثل الرز البخاري والمنتو واليغمش في المطبخ الأردني، وأصبحت جزءاً لا يتجزّأ من المائدة الأردنية في المناسبات الخاصّة. كما حافظوا على تقاليد الضيافة والتجمّعات العائلية الكبيرة التي تذكّر بالأعراس البخارية التقليدية، وساهموا في الحياة الدينية المحلية مع الحفاظ على بعض الشعائر الصوفية الخاصة التي تظهر التراث الروحي العميق لطرق آسيا الوسطى.

العراق والخليج: الشبكات التجارية الممتدّة

احتفظت هذه المناطق بدور مهمّ مراكز تجارية للبخاريّين، حيث أقام تجّار في العراق والسعودية والكويت، مع الحفاظ على روابط قوية مع المراكز البخارية في بلاد الشام. وثّقت المصادر زيارات منتظمة لهؤلاء التجّار إلى دمشق “بقصد زيارة أقاربهم والراحة والتسوّق والعودة إلى أماكن إقامتهم محمّلين بالبضائع الدمشقية”.

خصائص الشبكة العربية البخارية

تميّزت هذه الشبكة بمرونة جغرافية واقتصادية، حيث حافظ البخاريّون على روابط عائلية وتجارية عبر الحدود، وتكيّفوا مع الظروف السياسية المتغيّرة من العهد العثماني إلى الدول الحديثة. كما استفادوا من التنوّع الاقتصادي للمنطقة العربية، من التجارة المتوسّطية في لبنان إلى الأسواق الخليجية النفطية، ومن المراكز العلمية في مصر إلى الأسواق التقليدية في المدن الشامية والعراقية.

مجموعة من الرجال يؤدون الصلاة في خيمة مزينة بنمط تقليدي، حيث يركزون على الصلاة مع تباين في الألوان والملابس.

شبه القارّة الهندية: تعقيدات التنوّع والتأقلم التاريخي

تتّخذ قصة الأوزبك وعموم البخاريّين في شبه القارة الهندية أبعاداً أكثر تعقيداً وتنوّعاً، حيث تمتزج مع النسيج الديموغرافي والسياسي المعقّد للمنطقة عبر قرون من التفاعل والتكيّف.

پاكستان: الملاذ الجديد والتنوّع الإثني

هاجر البخاريّون إلى الهند وكشمير وپاكستان وأفغانستان، خاصّة بعد انهيار حركة المقاومة “الباصمچيلار” ضدّ الاحتلال الروسي. في پاكستان، تختلط الجاليات الوسط آسيوية مع التنوّع الإثني الهائل للبلاد، حيث يشكّل الپنجابيون 48%، والپشتون 15.42%، والسنديون 14.1%، إضافة إلى أقوام أخرى من إجمالي 235 مليون نسمة.

نُقل الكثير من الأوزبك من أفغانستان إلى پاكستان بسبب الحرب الأفغانية، وبسبب متطلّبات المساعدة للّاجئين، أعيد توطين سكّان المخيمات. توجد في پاكستان عوائل بأسماء “بيك” و “بخاري”، ممّا يشير إلى استمرار الحضور التاريخي للأوزبك وعموم البخاريّين في البلاد.

أفغانستان: الحفاظ على الهوية برغم المحن

تحافظ الجاليات الأوزبكية في شمال أفغانستان على صلات قوية مع تراثها الوسط آسيوي برغم عقود من الصراع والاضطراب. كانت خانات الأوزبك موجودة في ميمنة، وكانت الخانات تسيطر على ماوارانهر، وبالخصوص منطقة طشقند ووادي فرغانة في الشرق وشمال أفغانستان.

استولت طالبان على شبرغان في جوزجان، وهي إحدى المدن التي تتركّز فيها الجالية الأوزبكية. دعمت أوزبكستان الجنرال دوستم المنتمي لقومية الأوزبك بأفغانستان الذي كان إحدى أطراف الاقتتال الداخلي وكانت مناطق عديدة في شمال أفغانستان خاضعة لسيطرته خلال فترة الحروب الأهلية.

ظلّ أوزبك أفغانستان أكثر اعتناقاً للإسلام مقارنة بأشقّائهم في الاتّحاد السوڤييتي السابق، ممّا ساعدهم على الحفاظ على هويّتهم الدينية والتراثية برغم التحدّيات السياسية والأمنية.

الهند: جزء من أكبر الأقلّيات المسلمة في العالم

في الهند، تشكّل الجاليات المسلمة من أصول وسط آسيوية جزءاً من التنوّع الديني والإثني لثاني أكبر جالية مسلمة في العالم. تُعدّ الهند ثالث أكبر بلد في عدد المسلمين في العالم وأكبر أقلية إسلامية في العالم، حيث يشكّل المسلمون نسبة 14.2% من سكّان البلاد، أي حوالي 172.2 مليون شخص.

ينقسم مسلمو الهند إلى قسمين: مسلمو الشمال ويتبعون المذهب الحنفي ويتكلّمون اللّغة الأردية والبنغالية، ومسلمو الجنوب ويتبعون المذهب الشافعي ويتحدّثون اللّغة التامولية. ويتركّز أغلبهم في ولايات أوتار باراديش، وبهار، وغرب البنغال، ومهراشتره، وكيرلا.

برغم تأثير البخاريّين التاريخي على الثقافة الهندية، يواجه مسلمو الهند تحدّيات موروثة من الماضي؛ إذ يعدّونهم مواطنوهم الهندوس مسؤولين عن الانفصال الذي نشأت عنه پاكستان، ويعانون من الإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي.

الخصائص المشتركة لشبه القارة الهندية

تتميّز تجربة الوسط آسيويّين في شبه القارة الهندية بعدّة خصائص مشتركة: الاندماج في النسيج الاجتماعي المعقّد متعدّد القوميّات واللّغات، التكيّف مع التقلّبات السياسية الجذرية من الاستعمار البريطاني إلى التقسيم والاستقلال، والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية برغم التحدّيات الأمنية والسياسية.

كما ساهموا في إثراء التراث الثقافي والعلمي للمنطقة، مع الحفاظ على صلات متفاوتة مع الوطن الأم في آسيا الوسطى، ممّا يجعل تجربتهم نموذجاً معقّداً للهجرة والاندماج في بيئة متنوعة التحديات والفرص.

الحلم الأميركي: رحلة عبر الأطلسي

الموجات الثلاث للهجرة

شهدت أميركا ثلاث موجات رئيسية من الهجرة الوسط آسيويّة، كل منها تحمل خصائصها المميّزة.

الهجرة المبكّرة (العشرينيات-الخمسينيات) بدأت مع بعض اليهود البخاريّين في أوائل القرن العشرين، لكنّها بقيت ضئيلة حتى الستينيات والسبعينيات. قيّد قانون المنطقة الآسيوية المحظورة لعام 1917 الهجرة من آسيا الوسطى، وهاجر بعض القازاق المواطنين السوڤييت الذين حرّرتهم قوّات الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية.

شهدت موجات الهجرة الكبرى (السبعينيات-التسعينيات) بداية بطيئة لنزوح اليهود البخاريّين في السبعينيات، وتسارعت في الثمانينيات، ووصلت ذروتها في التسعينيات بعد انهيار السوڤييت. وصلت أيضاً موجات اللاجئين السياسيّين، فاستقرّ المسلمون الأوزبك لاجئين سياسيّين في الثمانينيات في مقاطعة موريس بنيو جيرسي. أُجلي مئات من الأفغان القيرگيز في أثناء الحرب الأفغانية في السبعينيات، مع موجة أكبر في التسعينيات.

شهدت الهجرة المعاصرة (الألفينيات-الحاضر) استقرار 20,000 مسلم أوزبكي في بروكلين منذ الألفينيات، معظمهم من المستفيدين من قرعة البطاقة الخضراء. واستمرّت هجرة السلسلة ولمّ الشمل العائلي والشبكات المجتمعية في دفع الاستيطان المستمر. وازداد التدفّق الأفغاني بشكل كبير من 54,000 عام 2010 إلى 195,000 عام 2022 بسبب تأشيرات المهاجرين الخاصّة وعملية حلفاء الترحيب.

جغرافية الاستقرار الأميركي

أصبحت منطقة نيويورك الكبرى الوجهة الأساسية للوسط آسيويّين في أميركا. كوينز تضمّ 50,000 إلى 70,000 يهودي بخاري، ممّا يجعلها ثاني أكبر مجتمع يهودي بخاري عالميّاً بعد إسرائيل. تشمل الأحياء الرئيسية ريگو پارك وفورست هيلز وكيو گاردنز هيلز. كما لُقبت المنطقة بـ”كوينستان” بسبب التركز الوسط آسيوي، مع الشارع 108 الذي يُعرف بـ”برودواي البخاري” بمطاعمه ومتاجره وخدماته المتخصّصة.

بروكلين تضمّ 20,000 مهاجر أوزبكي مسلم جديد منذ الألفينيات، معظمهم من المستفيدين من قرعة البطاقة الخضراء والمتحرّكين اقتصادياً. مقاطعة موريس في نيو جيرسي تضم لاجئين سياسيّين من الاتّحاد السوڤييتي منذ الثمانينيات، مناهضين للشيوعية ومهنيين متحرّكين صاعدين.

تضمّ مدن رئيسية أخرى مجتمعات وسط آسيوية، منها منطقة واشنطن العاصمة التي تضم 1,500+ أميركي أويغوري (الأكبر في الولايات المتحدة)، وكاليفورنيا حيث الأميركيّون الأفغان تاريخيّاً أكبر مجموعة، مع “كابول الصغيرة” في منطقة فريمونت.

البنية التحتية للمجتمع اليهودي البخاري

نما المجتمع اليهودي البخاري في أميركا من كنيس واحد إلى أربعين كنيساً في كوينز على مدى ثلاثين عاماً فقط، وهو نموّ يظهر حيوية هذا المجتمع وإصراره على الحفاظ على هويته الدينية. تشمل التجمعات الرئيسية كنيس بيت گابرييل وكهيلات سفارديم من أحاڤات أحيم. الانتماء الديني أرثوذكسي في المقام الأول، يتبع العادات السفارديك المعتمدة في القرن الثامن عشر.

تطوّرت المؤسّسات التعليمية لتشمل مدارس نهارية متعدّدة ويشيڤات. مدرسة شعاري صهيون تضمّ 600+ طالب في بيت گابرييل، وأنشأت كلّية كوينز مركزاً لبحوث وهوية اليهود البخاريّين. مدارس الأحد العبرية تقدّم برامج مجتمعية للأطفال في المدارس العامة.

تشمل المنظّمات الجماعية والاجتماعية مركز المجتمع اليهودي البخاري، ومتحف اليهود البخاريّين (مجموعة من 1,000+ قطعة)، ومؤتمر اليهود البخاريّين في الولايات المتّحدة وكندا، وتحالف الأميركيّين البخاريّين.

ظهر الاندماج الاقتصادي في حضور كبير في حي الألماس في مانهاتن، ومشاركة رئيسة في تطوير العقارات في كوينز، وخدمات مهنية تضمّ ملكية طبّية وقانونية وتجارية واسعة.

الاندماج والازدهار: النجاح عبر المهن

انخرط المهاجرون الوسط آسيويّون في أدوار دينية أئمة وعلماء إسلام ومعلّمين دينيّين، مساهمين في إثراء الحياة الدينية في مجتمعاتهم الجديدة. شكّلت التجارة والأعمال مجالاً طبيعياً للنشاط، خاصّة في المنسوجات والحرف والخدمات المتخصّصة. وفّرت الحرف الماهرة مثل نسج السجاد والأعمال المعدنية والحرف التقليدية مصادر دخل مستقرّة، في حين أتاحت الخدمات المهنية في الطبّ والتعليم والإدارة فرص صعود اجتماعي واقتصادي.

استراتيجيات الحفاظ على التراث

تباين الحفاظ على اللّغة حسب البلد والجيل، وغالباً ما كانت الممارسات الدينية تقوم مقام آلية للحفاظ على الهوية الجماعية. ساعد الزواج داخل المجتمع في الحفاظ على التقاليد، وأُسّست الجمعيّات الاجتماعية ومراكز المجتمع حيثما أمكن ذلك.

الحواجز اللّغوية في البلدان الناطقة بالعربية، والمنافسة الاقتصادية مع السكّان الراسخين، والاختلافات الدينية أحياناً، وعدم الاستقرار السياسي في البلدان المضيفة، والدعم الحكومي المحدود للاندماج – كلّها عوامل شكّلت تحدّيات مستمرّة تطلّبت حلولاً إبداعية ومثابرة استثنائية.

صورة لرجل يرتدي الزي السعودي التقليدي، مع شماغ وعقال، ويبتسم أمام خلفية تُظهر تفاصيل معمارية داخلية وأضواء.

التطوّر عبر القرن: من الجيل الأول إلى الرابع

التغيّرات الجيلية والهوية

حافظ الجيل الأوّل على هوية وسط آسيوية قوية، متمسّكاً بالتقاليد واللّغات الأصلية والممارسات الدينية كما عرفها في الوطن الأصلي. طوّر الجيل الثاني تكيّفاً ثنائي اللّغة والهوية، متنقّلاً بين عالم الآباء والمجتمع الجديد بمهارة متزايدة. غالباً ما اندمج الجيل الثالث وما بعده بالكامل في المجتمع المضيف مع احتفاظ متباين بالتراث الأصلي.

الأثر على العالم: الإرث الممتد

التأثير الديموغرافي والسياسي

في أفغانستان، أصبح أكثر من نصف مليون وسط آسيوي أقلّية مهمّة تؤثّر على السياسة والاقتصاد المحلّيّين. التأثير الإقليمي واضح في كيفية تشكيل اللّاجئين الوسط آسيويّين لسياسات البلدان المضيفة وعلاقاتها الخارجية. الحفاظ على الهوية المميّزة مع الاندماج أظهر نموذجاً فريداً للتعايش والتكيّف.

أنشأت الشبكات العابرة للحدود روابط دائمة تربط المجتمعات المنتشرة عبر القارّات. تعقدت العلاقات السوڤييتية-الأفغانية بسبب وجود اللّاجئين وتأثيرهم على السياسات الإقليمية. كما ساهمت النزاعات القومية في آسيا الوسطى ما بعد السوڤييتية جزئيّاً في استمرار عدم الاستقرار الإقليمي.

الإرث الحضاري والديني

استفادت النهضة الإسلامية في العديد من البلدان من العلماء اللّاجئين الذين عزّزوا التعليم الإسلامي ونشروا التقاليد العلمية الوسط آسيويّة. وحافظت الشبكات الصوفية على الطرق الروحية عبر الحدود، ممّا ساعد في استمرار التقاليد الروحية العميقة. كما حفظ الإنتاج الأدبي والفكري التقاليد الأدبية والفكرية الوسط آسيويّة وطوّرها في بيئات جديدة.

حدث ثقافي أوزبكي يضم عروض موسيقية ورقصات تقليدية، مع وجود جمهور متنوع يشاهد الأداء على المسرح.

قصّة مرونة إنسانية استثنائية

تُجسّد قصة البخاريّين عبر قرن من الزمان إحدى أعظم ملاحم المرونة الإنسانية في التاريخ الحديث. لم تكن هذه مجرّد هجرة جماعية تقليدية، بل كانت رحلة حضارية كاملة حملت معها آلاف السنين من التراث الثقافي والديني والعلمي عبر القارّات والمحيطات.

في عام 1920، عندما سقطت آخر معاقل الاستقلال في إمارة بخارا تحت نيران الجيش الأحمر، لم يكن أحد يتوقّع أنّ مليون إنسان سيتمكّنون من إعادة بناء عالمهم المفقود في أصقاع الأرض. اليوم، بعد مئة عام، نجد أحفاد هؤلاء المهاجرين يزدهرون في شوارع نيويورك كما في أحياء الرياض، في مساجد لَكْنَوُ في أوتار براديش كما في مساجد إسطنبول، في جامعات القاهرة كما في أسواق دمشق القديمة.

إنّ النجاح الاستثنائي للبخاريّين في الحفاظ على هويّتهم مع تحقيق الاندماج الناجح في مجتمعاتهم الجديدة يكشف عن خصائص فريدة ميّزت هذا الشعب عبر التاريخ. فالمرونة الثقافية التي مكّنتهم من التكيّف مع بيئات متنوّعة – من صحارى الجزيرة العربية إلى مدن أميركا الحديثة – تظهر عمق الحضارة التي نشأوا فيها على مفترق طرق القارّات.

كما أنّ قدرتهم على المحافظة على التماسك الاجتماعي والقيم الأسريّة برغم التشتّت الجغرافي الهائل تُظهر قوّة الروابط الدينية والثقافية التي تجاوزت حدود الزمان والمكان. في كلّ مكان حلّوا فيه، أسّسوا مؤسّساتهم الدينية والتعليمية والاجتماعية، محوّلين المنافي إلى أوطان جديدة دون أن ينسوا يوماً وطنهم الأوّل.

ساهم البخاريّون مساهمة حضارية عميقة في كلّ المجتمعات التي استقبلتهم. في المجال الديني، أثروا التقاليد الإسلامية بالطرق الصوفية المعتدلة والعلوم الشرعية العريقة. وفي المجال الاقتصادي، نقلوا خبرات تجارية عريقة وحرف متخصّصة أغنت الأسواق المحلّية. وفي المجال الثقافي، أدخلوا فنون الطبخ والموسيقى والأدب التي أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من الثقافات المحلّية.

كما تحمل قصة البخاريّين دروساً عميقة للعالم المعاصر الذي يشهد موجات نزوح متزايدة. تُثبت تجربتهم أنّ الهجرة القسرية، برغم مرارتها، يمكن أن تتحوّل إلى فرصة لإثراء الحضارة الإنسانية عندما تقابل بالقبول والاحترام المتبادل. والأهمّ من ذلك، تُظهر أنّ الحفاظ على الهوية الثقافية لا يتعارض مع الاندماج الناجح، بل يمكن أن يكون مصدر قوّة وإثراء للمجتمعات المضيفة.

واليوم، في عالم يعاني من التطرّف والانقسام، يقدّم البخاريّون نموذجاً ملهماً للتعايش الحضاري. فهم الذين حافظوا على إسلامهم المعتدل في المجتمعات العلمانية، ونقلوا تقاليدهم السمحة إلى بيئات متنوّعة، واستطاعوا بناء جسور الفهم بين الثقافات المختلفة، يُثبتون أنّ التنوّع الثقافي ثروة حقيقية للبشرية.

إنّ الإرث الحقيقي للبخاريّين لا يكمن في المؤسّسات التي بنوها أو النجاحات التي حقّقوها فقط، بل في إثباتهم أنّ الشعوب التي تحمل رسالة حضارية حقيقية لا تموت مهما اشتدّت المحن. فبعد قرن كامل من الشتات، ما زال البخاريّون يحملون في قلوبهم ذكريات بخارا وخيوة وقوقند، وما زالوا ينقلون إلى أطفالهم قيم التسامح والعلم والتجارة النزيهة التي تعلّموها في واحات آسيا الوسطى.

وأخيراً، قصة البخاريّين تذكّرنا بأنّ التاريخ الحقيقي لا يُكتب في قصور الملوك وساحات المعارك فحسب، بل في رحلات الشعوب الطويلة عبر الصحارى والمحيطات بحثاً عن الكرامة والحرّية. وهي تؤكّد أنّ الحضارة الحقيقية محمولة في قلوب الناس وعقولهم، وأنّها قادرة على الازدهار من جديد في أيّ أرض تجد فيها التربة الصالحة للنموّ.

هكذا، بعد مئة سنة من رحيل البخاريّين عن وطنهم الأوّل، نجدهم لم يفقدوا شيئاً من جوهرهم الحضاري، بل أضافوا إليه خبرات وتجارب جديدة جعلتهم أكثر قدرة على العطاء والإسهام في بناء عالم أفضل. وفي هذا درس عميق لكلّ من يواجه تحدّيات التغيير والاقتلاع: أنّ الجذور الحقيقية للإنسان ليست في التراب الذي ولد عليه، بل في القيم والمبادئ التي يحملها، وأنّ الوطن الحقيقي هو حيث يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة ويحقّق رسالته في الحياة.

المصدر: مدوّنة البخاري https://albukhari.com/74512

المراجع والمصادر

  1. Cooper, Alanna E. (2012). Bukharan Jews and the Dynamics of Global Judaism. Indiana University Press.
  2. Ben-Zvi, Itzhak (1957). “The Jews of Bukhara.” In Exiled and Redeemed, 67-100. Philadelphia: Jewish Publication Society of America.
  3. Kaganovich, Albert (2019). Studies in Bukharan Jewish History. Jerusalem: Hebrew University Press.
  4. Levin, Zeev (2016). Collectivization and Social Engineering: Soviet Rule among the Central Asian Jews. Leiden: Brill.
  5. Levi, Scott C. and Sela, Ron (eds.) (2010). Islamic Central Asia: An Anthology of Historical Sources. Bloomington: Indiana University Press.
  6. Tagger, Nissim (1970). Toldot Yehudei Bukhara: be-Bukhara u-ve-Yisrael. Tel Aviv: Nissim Tagger.
  7. Bashiri, Iraj (2020). “The Emirate of Bukhara.” In The History of the Civil War in Tajikistan, 51-87. Boston: Academic Studies Press.
  8. Olcott, Martha Brill (1981). “The Basmachi or Freeman’s Revolt in Turkestan, 1918-24.” Soviet Studies, 33(3): 352-369.
  9. Marwat, Fazal-ur-Rahim Khan (1985). The Basmachi Movement in Soviet Central Asia: A Study in Political Development. Peshawar: Emjay Books International.
  10. Fraser, Glenda (1987). “Basmachi (Parts I and II).” Central Asian Survey, 6(1): 1-73; 6(2): 7-42.
  11. Paksoy, H. B. (1991). “‘Basmachi’: Turkistan National Liberation Movement, 1916-1930s.” In Modern Encyclopedia of Religions in Russia and the Soviet Union, 4: 5-20. Gulf Breeze, FL: Academic International Press.
  12. Marshall, Alexander (2003). “Turkfront: Frunze and the Development of Soviet Counterinsurgency in Central Asia.” In Central Asia: Aspects of Transition, edited by Tom Everett-Heath. New York: RoutledgeCurzon.
  13. Abashin, Sergei (2022). “Twisted Trajectories and Jewish-Muslim Interfaces: Bukharan Jews of Central Asia in Vienna.” ResearchGate.
  14. Zand, Michael (1996). “Bukharan Jews.” In Encyclopaedia Iranica, Vol. 4. Edited by Ehsan Yar-Shater, 530-545. Columbia University Press. الرابط: https://www.iranicaonline.org/articles/bukhara-vii/
  15. “Bukharan Jews” (2023). Oxford Bibliographies in Jewish Studies. الرابط: https://www.oxfordbibliographies.com/display/document/obo-9780199840731/obo-9780199840731-0146.xml
  16. “Emirate of Bukhara” (2017). Oxford Research Encyclopedia of Asian History. الرابط: https://oxfordre.com/asianhistory/display/10.1093/acrefore/9780190277727.001.0001/acrefore-9780190277727-e-14
  17. Batalova, Jeanne and Zong, Jie (2022). “Afghan Immigrants in the United States.” Migration Policy Institute. الرابط: https://www.migrationpolicy.org/article/afghan-immigrants-united-states-2022
  18. Zong, Jie and Batalova, Jeanne (2021). “Middle Eastern and North African Immigrants in the United States.” Migration Policy Institute. الرابط: https://www.migrationpolicy.org/article/middle-eastern-and-north-african-immigrants-united-states
  19. Gross, Eliyahu (2021). “A Brief History of the Jews of Bukhara and Central Asia.” Tablet Magazine. الرابط: https://www.tabletmag.com/sections/history/articles/history-jews-bukhara-central-asia
  20. “Who Are the Bukharan Jews?” (2023). My Jewish Learning. الرابط: https://www.myjewishlearning.com/article/who-are-the-bukharan-jews/
  21. وثائق الأرشيف العثماني المتعلقة بإمارة بخارا (دار الوثائق العثمانية، إسطنبول)
  22. تقارير الرحالة والدبلوماسيين العرب إلى آسيا الوسطى (القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين)
  23. سجلات وزارة الأوقاف الأردنية المتعلقة بالزاوية البخارية في القدس (1948-1967)
  24. Bregel, Yuri (2003). An Historical Atlas of Central Asia. Leiden: Brill.
  25. Khalid, Adeeb (2015). Making Uzbekistan: Nation, Empire, and Revolution in the Early USSR. Ithaca: Cornell University Press.
  26. Baldauf, Ingeborg (1993). Schriftreform und Schriftwechsel bei den muslimischen Russland- und Sowjettürken (1850-1937). Budapest: Akadémiai Kiadó.
  27. Morrison, Alexander (2008). Russian Rule in Samarkand 1868-1910: A Comparison with British India. Oxford: Oxford University Press.
  28. Tasar, Eren (2017). Soviet and Muslim: The Institutionalization of Islam in Central Asia. Oxford: Oxford University Press.
  29. Waxman, Dov (2002). “Islam and Turkish National Identity: A Reappraisal.” Turkish Studies, 3(2): 1-22.
  30. Abramson, David (2000). “Identity and the Politics of History in Uzbekistan.” Central Asian Monitor, 5: 1-12.
  31. Togan, Zeki Velidi (1969). Bugünkü Türkili (Türkistan) ve Yakın Tarihi. Istanbul: Enderun Kitabevi.
  32. Bademci, Ali (ed.) (1975). Türkistan Milli İstiklal Hareketi ve Enver Paşa 1917-1934. Istanbul: Kitabevi.
  33. الأرشيف البريطاني: India Office Records, British Library: تقارير المخابرات البريطانية حول آسيا الوسطى وأفغانستان (1918-1930)
  34. الأرشيف الأمريكي: National Archives, College Park: تقارير وزارة الخارجية الأمريكية حول الهجرة من آسيا الوسطى (1950-1990)
  35. الأرشيف الروسي: Российский государственный исторический архив (РГИА): وثائق الإدارة الاستعمارية الروسية في تركستان

تُنسب الآراء والمقاربات المسرودة في هذا المقال إلى مؤلّفها حصراً. تُخصّص هذه المنصّة لتكون مساحة أكاديميّة حرّة، يُكفل فيها للباحثين طرح قراءاتهم التّاريخيّة والسّوسيولوجيّة باستقلاليّة تامّة، تأسيساً لبيئة بحثيّة تصون حرّيّة التّأليف، وتفصل النّتاج المعرفيّ عن أيّ توجّهات أيديولوجيّة أو سياسيّة.


أضف تعليق

أحدث المنشورات