بعد انهيار الاتحاد السوفييتي انهارت معه قيمة العقارات حتى أصبحت الأراضي والبيوت رخيصة جداً بسبب الإنهيار الإقتصادي أولا وبسبب هجرة الروس واليهود وغيرهم من القوميات من أوزبكستان وبيع منازلهم، أذكر أنه في أعوام 1994-2000 كانت بعض الشقق في مناطق ريف طشقند تباع بمبلغ مائة دولار !
في أحد الأيام وأثناء عودتي مع عائلتي بعد جولة نزهة في المناطق الجبلية في ولاية طشقند ، مررنا ببلدة تسمى أسكندر – Iskandar وتبعد خمسون كم تقريبا عن طشقند ، لاحظت كثرة البيوت بجانب الطريق وقد كتب عليها لافتات للبيع ، فتوقفت لنسأل عنها كون المنطقة هادئة وبعيدة عن ضجيج العاصمة،وخلفها يمر نهر جميل، وقفنا أمام أحد الدور وطرقنا الباب فخرجت إلينا إمرأة في السبعينات من عمرها تقريباً ، ذات ملامح قوقازية وذات لهجة تتارية تركية ، فرحبت بنا وأدخلتنا الفناء الخارجي ، كانت مساحة أرضها تراوح الستمائة مترا مربعا تقريباً وفي وسطها بيت لم يكتمل بناءه بعد ، فسألناها عن السعر فقالت أنها تريد مبلغ ٢٥٠٠ دولار امريكيا ولكنها أردفت قائلة بأن السعر قابل للتفاوض وأنها تريد إكمال البيع بأسرع وقت والعودة إلى بلاد القرم حيث موطنها الأصلي.

إن قصة هذا الشعب حزين ومؤلم كتجاعيد وجه هذه العجوز، حيث تم تهجيرهم من وطنهم الأصلي في شبه جزيرة القرم إلى سهوب آسيا الوسطى بتهمة العمالة والتعاون مع القوات الألمانية في الحرب العالمية الثانية وهي تهمة تبين بعد مغيب شمس السوفييت بأنها كانت كذبة ومبالغ فيها ، فقد تم إتهام شعب كامل بالخيانة بسبب تعاون فئة منهم في أبشع صورة من صور الإضطهاد الستاليني للشعوب .
بعد أن استعاد السوفييت الجزيرة من الألمان، وفي صبيحة يوم ١٨ مايو من عام ١٩٤٤، دخلت قوات مفوضية الشعب NKVD القمعية منازل التتار عنوة وقرأت على مسامع ساكنيها المذهولين قرار ستالين ترحيلهم إلى أوزبكستان وصحاري كازاخستان وتم منحهم نصف ساعة فقط لجمع حاجياتهم الضرورية . في غضون ثلاثة أيام تم ترحيل ما يقارب اكثر من ١٨٠ ألف شخص قسرا في عربات كانت مخصصة لنقل الماشية ولم تتوقف الرحلة في الطريق ولم يلق أحدا بالا لصيحات العجائز ولبكاء الأطفال حتى مات منهم ما يقارب النصف تقريباً داخل تلك العربات بسبب الجوع والعطش والإرهاق وإنتشار الأمراض .
استقبلت أوزبكستان السوفييتية ما يقارب المائة وخمسون ألف منهم ولم تكن السلطات المحلية على استعداد لقبول هذا العدد من المنهكين جسديا ونفسيا، كما حرمهم النظام السوفييتي ولمدة ١٣ عاما من حرية التنقل لأبعد من خمسة كيلومترات وكان عليهم مراجعة قسم الأمن مرتان في الشهر لتسجيل أنفسهم.

في أواخر عهد جورباتشوف وبعد هبوب رياح التغيير على الاتحاد السوفييتي اعترف مجلس السوفييت الأعلى بأن تهجير تتار القرم من موطنهم الأصلي كان خطأ فاحشا وتم كشف زيف الإتهامات الموجهة ضدهم .
تجولت في أطراف البيت ورأيت كيف أن العجوز زرعت شجيرات التوت البري تستخدمها لصنع المربى والباقي الفائض من المحصول تبيعها على قارعة الطريق، فسألتها لماذا تريدين بيع البيت وأين تسكنين ؟ فقالت أن زوجها متوفي وأن العمر قد بلغ عتيا وتريد أن يكون مرقدها الأخير في مسقط رأسها في إحدى قرى البحر الأسود . كانت العجوز تتحدث ونظرات عينيها غير متأكدة هل سيسعفها الوقت لتعود لقريتها أم لا .
اشتريت منها الأرض بالسعر الذي طلبته ولم أتفاوض معها ، وبعد فترة عدت إلى القرية وعندما سألت عنها قيل أنها عادت إلى موطنها الأصلي بعد غياب قسري أستمر لأكثر من سبعين عاما.

إن عمر الإنسان قصير ضئيل بالنسبة للكون، فهو لا شيء أمام عمر الوجود المهيب ولكن الذكريات ومعظمها تكون مؤلمة في الغالب تقاس بألاف السنين ، إن اللحظات السعيدة لا تبقى في ذكرانا ومخيلتنا كثيرا، بل تنسحب رويدا لتحل محله الذكريات المؤلمة والحزينة.


اترك رد