البحث عن العدالة في المقاهي

4–7 minutes

للقراءة

في خريف عام 1993 كانت زيارتي الأولى إلى أرض الأباء والأجداد أوزبكستان، لقد كانت رحلة الساعات الخمس بالطائرة من جدة إلى طشقند نقطة فاصلة وتحول كبير بين واقعين وبين مجتمعين كانا في انقطاع وبعد جغرافي وثقافي كبير، كانت الساعة قد قاربت الثانية عشرة ليلا ، نزلنا من السلم وكان الهواء باردا عكس رطوبة جدة، وأول ما أثار أنتباهي عند نزولنا، نظرات رجال الأمن بملامحهم التي تدل أنهم من الإثنية الروسية ، يحملون أسلحة رشاشة وبنظرات فيها الكثير من الجدية ، توجهنا بعده نحو حافلة سوفيتية قديمة لتقلنا إلى مبنى الوصول ولا أنسى رائحة المازوت القوية المنبعثة منها.

لم يكن عددنا يقارب المائة مسافر وسارت الحافلة حتى وقفت أمام مبنى مظلم مكون من دورين، ونزلنا أنا ووالدي ووالدتي وسرنا نحو باب مفتوح نصفه فقط وقد وقف المسافرون يحاولون الولوج عبره بعنوة ، بعد فترة خف ضجيج الداخلين وجاء دورنا فدخلنا في ممر طويل ضعيف الإنارة وفي مقدمته كشك الجوازات ، وكان القادمين متجمهرون أمامه، بينما بعض مصابيح الممر تشعل وتخمد مرة أخرى وكأنها مشاهد الأفلام عن الممرات الباردة المظلمة الرطبة ، وكان في أول الممر دورات مياه تنطلق منها أصوات المياه المندفعة بشدة كلما يفتح بابها ، والبعض من المسافرين واقف بين جانبي الدهليز الطويل يدخن بشراهة بعد رحلة طويلة.

وقفنا في الطابور حتى جاء دورنا، أخذ الضابط وكان شابا، جوازتنا وبدأ يحملق في الصورة ومن ثم في وجوهنا والجدية ظاهرة في ملامحه مع غياب تام لأي لطافة أو أبتسامة، استمر الضابط يطيل النظر تارة في الصورة وتارة في الجواز ، كأنه يحاول إيجاد ثغرة تزوير أو أنها كانت حيلة نفسية أمنية للتأثير على الأجنبي الزائر، شعرت حينها بأن الشيوعية لا زالت تتنفس مع أنها قد دفنت قبل عامين تقريباً.

كانت أواخر الثمانينات 1989-1991 مرحلة مفصلية في تاريخ الإتحاد السوفييتي ، لقد كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد سبعين عاما في وقت كان رئيسها ميخائيل جورباتشوف يعتقد بأنه قد يحمي البلد من الإنهيار بفكرة إعادة البناء أو البروسترويكا كما أطلق عليها، لقد ذهبت تطلعاته هباءا وانهار ذلك البناء الشيوعي الضخم مدمرا معه السور الحديدي المشهور، لقد انهار عدو الغرب الرأسمالي الأكبر دون أن يطلق طلقة واحدة أو كما يقول السياسي الروسي القومي جيرونوفيسكي “أن الغرب هزم الإتحاد السوفييتي بأصابع شكولاتة مارس وسنيكرز”.

بعد عبورنا الجوازات جاء دورنا عند مفتش الجمارك حيث كان على القادم تسجيل ما معه من الدولارات أو الذهب والمجوهرات ، خرجنا بعده إلى الخارج حيث سائقوا التكاسي ينتظرون في ذلك الجو البارد ومعظمهم يدخنون والبعض يخرج البخار من فمه جراء برودة الأجواء ، شدني هذا المنظر ، فقد كانوا متجمهرين ويرتدون معاطف شتوية داكنة اللون وقبعات سوفيتية .

في خارج المطار كان من الأقرباء من هم في انتظارنا فركبنا سيارة من نوع فولغا 76 وكانت وقتها سيدة السيارات السوفيتية ، كانت عبارة عن خزانة حديدية تجوب بجرأة في الشوارع التي بدت لي هادئة وخالية ومظلمة نوعا ما بسبب الأشجار الكثيفة التي تحجب نور أعمدة الإنارة.

خرجت في الغد مع والدي رحمه الله إلى السوق وكانت سيارتنا روسية ماركة لادا من الجيل السادس قد عمها الغبار جراء وقوفها في المرآب العام لأكثر من ستة شهور، أعدنا توصيل أطراف بطاريتها فأشتغلت صادرة صوت ورائحة وقود لم أعتد على سماعها أو شمها في السعودية. عندما وصلنا الى بوابة السوق نزل والدي من السيارة وأمرني بالجلوس كي أحرس السيارة مع أنه نزع مفاتيحها وأخذها معه ، استغربت قليلا ولكني كنت على دراية وعلم عن الوضع الأمني وعن غياب القانون ولكني لم أعلم أن تنفيذ القانون لا يتم في قاعات المحكمة بل في المقاهي أو الجايخانات!

الشعب الأوزبكي إجتماعي جدا ومن عاداتهم الجميلة تجمع الأصحاب والمعارف كل فترة من الشهر في الجايخانة (بيت الشاي) أو الديوانية والقهوة كما تسمى في البلاد العربية ، إلا أنها تختلف عن المقاهي العربية فهي ليست مكانا لمجرد شرب الشاي أو القهوة، بل مكان ليتفنن كل شخص في طبخ الرز لأقرانه وأصحابه ، حيث يجتمع ما بين العشرة أو ما يزيد قليلا في الجايخانة جالبين معهم اللحم والرز والجزر الذي يعتبر مهما في إعداد الرز الأوزبكي وكذلك الحلويات والبعض يجلب معه قارورة الشراب ، إلا أن هذا التصرف قد قل كثيرا في يومنا الحاضر. يجلس الحاضرون كلا في غرفته وتكون مفروشة بمفارش القطن وتسمى Kurpacha وفي وسطها طاولة طعام لا يزيد ارتفاعها عن الأربعين سم، ثم يأتي طباخ الجايخانه ويأخذ الحاجيات ويسأل عن موعد تجهيز الطعام ، بينما هم يشرعون في تبادل الأحاديث والأخبار والنكات.

هذه هي الصورة النمطية لبيوت الشاي الآن ولكن في سنوات ما قبل أنهيار الإتحاد السوفيتيي كانت الصورة مختلفة، حيث لم تكن تلك الأماكن لتناول الرز وتبادل الحديث فقط ، بل كانت محاكم شعبية يديرها بعض زعماء المافيا ، وسبب ذكري جلوسي في السيارة أن في تلك السنوات كانت سرقة السيارات تتم بسرعة فائقة وفي وضح النهار ووقتها كان اللجوء إلى الشرطة مضيعة للوقت ، وضرب من الخيال فقد كان زعيم المافيا المحلية هو من يسترد لك سياراتك.

في البداية كان زعيم المنطقة يسأل عن نوع السيارة وموديلها، فإن كانت موجودة في منطقته وتحت إمرتها طلب منك نصف سعرها أو ربعها حتى تعود إليك سالمة دون خدوش أو تكسير ، وإن لم يكن رجاله من سرقوها فيعتذر منك بأدب جم ويطلب منك أن تسأل عنها عند فلان من الناس. كما كانت هذه المقاهي مسرحا لحل المشاكل المالية، حيث يلجأ إليها من أدان مبلغا من المال ولم يستطع استرجاعها وهناك يستمع زعيم المنطقة –ولكل منطقة زعيمها وكثيرا ما كانت الصراعات تنشب بينهم- لشكواه والمبلغ المستدان ثم يعرض عليه خدماته مع أخذ جزء من المال ، ولا يمر اسبوع أو عدة أيام حتى يكون ذلك المرواغ والمماطل ماثلا أمام الزعيم ، وبعد أن يقر بما أخذه، يهمله اسبوعا أو أقل وبهذا يسترجع ماله دون تأخير.

لقد كان خطر هولاء في ازدياد ولم يعد الشعب يثق في القانون ورجال الأمن ، لقد وصلت حالات سرقة السيارات الى مستويات عالية وأصبحت مرآبات السيارات لا تتسع الكمية وكان من الجنون أن تركن سيارتك في الليل عند بيتك. بل وصلت الأمور إلى سرقة الوقود من خزان السيارة ، أذكر أن والدي أمرني أن أعبأ السيارة بالبنزين الذي كان شحيحا ونادرا وكان الناس يقفون في طوابير تمتد إلى كيلومترات عند محطات الوقود ولكنه وقبل أن أستقل السيارة، فتح باب البنزين وأراني الغطاء وإذا به ذو أرقام وكأنه مقبض خزانة المال الحديدية وأمرني بحفظ الرقم السري والذي كان مكونا من ثلاثة أرقام .

يمكن تصور إنهيار الإتحاد السوفييتي بالأب الذي يموت فجأة تاركا خمسة عشرة من الأبناء لا يعلمون ماذا سيحصل لهم وكيف يتصرفون وكيف سيعيشون . اختفت تلك المظاهر و ذلك الفوضى وأختفى رجال الجايخانات بعد أن أحكمت الدولة يدها بالقوة والبطش أحيانا، فالله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

المصدر: سيّد محمود مبشّر كاساني، مدوّنة البخاري https://albukhari.com/16552

تُنسب الآراء والمقاربات المسرودة في هذا المقال إلى مؤلّفها حصراً. تُخصّص هذه المنصّة لتكون مساحة أكاديميّة حرّة، يُكفل فيها للباحثين طرح قراءاتهم التّاريخيّة والسّوسيولوجيّة باستقلاليّة تامّة، تأسيساً لبيئة بحثيّة تصون حرّيّة التّأليف، وتفصل النّتاج المعرفيّ عن أيّ توجّهات أيديولوجيّة أو سياسيّة.


اترك رد

أحدث المنشورات

اكتشاف المزيد من مركز دراسات البخاريّين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading